الأسبوع العربيقصص ورواياتمجلة الأديب العربيمنوعات

فلما علا… مات: مفارقة الارتفاع وانهيار السُلطان

فلما علا… مات: مفارقة الارتفاع وانهيار السُلطان
بقلم/ ريمون عصام خليل
كاتب يقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحكم المستخلصة.

في مسرح التاريخ الإنساني، لا توجد نهاية سعيدة لمشهد الصعود، فالحياة تعلمنا أن قمة المجد هي غالباً أقرب نقطة للسقوط. إنها جدلية “الزوال” التي لخصتها الحكمة في أبلغ العبارات وأكثرها تكثيفاً.

الحياة، التي نصفها بـ “الدنيا”، تأتينا متلونة الوجه، إما أن تَحِلَّ وتصبح حلواً مغرياً يُنسي الساعي إليها مرارة البدايات، أو تُحَلَّ وتتفكك وتزول عنها كل الأربطة التي تمسك بها، فتكشف عن زيفها. وكذلك الثراء والنفوذ، قد تَكسو صاحبها بالحرير والجاه وتُغدق عليه من نعمها، وقد تَقسو عليه وتشتد حتى تتركه مجرداً من أي سند.

التاريخ مكتظ بقصص الملوك الذين رفعت لهم الرايات وبنيت لهم العلامات. كم من ملك اعتقد أن صعوده إلى القمة هو استثناء للقاعدة؟ هو لم ير في راياته المرفوعة سوى تأكيد لخلوده، ولم يقرأ في عظمة قصره سوى شهادة على قوة لا تُقهر.

هؤلاء هم من ينسون أن الرايات لا تُرفع إلا لتُنزَل، وأن العلامات لا تُنصب إلا لتكون شواهد على ماضي كان يوماً ما عظيماً. إنهم ينسون الدرس الأبدي: أن المجد الأرضي مرتبط بقوانين الزمان والمكان، وكلاهما يعمل ضده.

فالإنسان يتسابق ليبلغ العُلا، يتسلق الجبال، يتجاوز الصعاب، ويبني العروش. ولكن في اللحظة التي يرى فيها نفسه قد عَلا ووصل إلى نقطة التفوق المطلق على من حوله، يُكتشف أن هذا العلو هو نقطة تحوله الأخيرة.

تتجلى مأساة هذا الوجود في العبارة التي لا تحتمل تأويلاً: “فلما عَلا… مات.”

هذه ليست مجرد إشارة إلى الموت البيولوجي، بل هي إشارة إلى:
1. موت الطموح: عندما يبلغ الملك غايته، يتوقف الدافع نحو المزيد. والموت الحقيقي للقيادة أو للقوة هو الاستقرار المطلق الذي يلغي الحاجة إلى التحدي.
2. موت التكيف: العُلو يجلب العزلة ويحجب الرؤية. الملك الذي علا يرى نفسه فوق النقد وفوق الحاجة للتغيير، بينما العالم من حوله يستمر في الحركة.
3. موت النفوذ: كل قمة لها قاعان. فالعلو الشاهق يجعله هدفاً واضحاً للسقوط، إما بسبب مؤامرة داخلية، أو بسبب تغيرات خارجية لم يرها من برجه العاجي.

إن العُلو يُصبح بمثابة حكم بالإعدام على الديناميكية، فحين يتوقف الجري والصعود، يبدأ الجسد في التحلل.

إنها دعوة فلسفية للاعتدال؛ فالسلطة، والمال، والمكانة، ما هي إلا متاع تكسوه الدنيا ثم تقسو به، وجميعها لا تُرفع إلا لتهبط. الحكمة ليست في بناء الرايات، بل في قراءة العلامات التي تخبرنا بأن دوام الحال من المُحال.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى